آخر الأخبار
سيدي يحيى بريس ترحب بكم ...
الرئيسيـــــــــــــــــــة فيديوهات سيدي يحيى بريس نحن دائمـــــــــا معكم إتصل بنـــــــا
ذاكـــــــــــــــــــرة المدينـــــــــــــــــــة الجزء الرابع ~ سيدي يحيى بريس

ذاكـــــــــــــــــــرة المدينـــــــــــــــــــة الجزء الرابع


ذاكـــــــــــرة المدينــــــة الجزء الرابــــــــع

محمد الحبيب لطفي نونبر 2014


ذاكرة المدينة ترصد الحالة الإجتماعية التي كانت عليها مدينة سيدي يحيى الغرب بداية الخمسينيات إلى نهاية القرن الماضي على جميع المستويات.
فعلى المستوى المعيشي كانت الحالة السائدة يمكن إدراجها ضمن الفقر المدقع نتيجة عوامل عديدة. أهمها أن العالم خرج من الحرب العالمية الثانية التي ألقت بضلالها على الإقتصاد الكوني. فخلال سنوات الحرب كان السكان يحصلون على المواد الغذائية الأساسية سكر زيت شاي وصابون قماش عن طريق عملية "البون" وكانت الكميات قليلة ومقننة تعطى لكل عائلة بحسب عدد أفرادها وكان المسؤول على صرف هذه "البونات" السيد حسن الشاوي وبعده السيد ادريس أوحود وكانت هذه الكميات لا تكفي وهذه الندرة في المواد الغذائية دفعت بالكثير إلى إيجاد بدائل فاتجهوا إلى إستهلاك وجبات نباتية (البقولة)- (الكرنينة)- (يرني )- وغيرها وكثرت الوجبات المعتمدة على الحبوب كالقمح – "الشرشم"- الشعير– "الزميطة" و"الباداز" من دقيق الذرى، بالإضافة الى "البركوكش".
أما الأقمشة فكانت نادرة بحيث أن السكان كانوا لا يجدون الأكفان لتكفين موتاهم ويضعونهم داخل أخصاص نبات البردي. ولندرة مادة السكر كان كأس الشاي يرتشف مصحوبا بحبات الثمر أما الصابون فكان نبات "التيغشت" يستعمل في عملية التصبين. وكانت الأمراض تعالج عن طريق تعويذات الفقهاء (حجابات) و(سبوب) وغيرها الى جانب (الترباك) من طرف الشرفاء ومع ذلك كانت الحياة تسير ومشيئة الله لقلة الأمراض الفتاكة نسبيا مقارنة مع الزمن الحالي. هذه الظروف الصعبة التي عاشها سكان هذه البلدة كانت تعرف بعام "البون" أي فترة الحرب العالمية الثانية وما قبلها.
بالنسبة للإنارة المنزلية كانت القناديل بأنواعها الطينية. القنديل من مادة الطين يوضع به زيت وفتيل من القماش أما "الفتاشة" فهي وعاء قصديري به مادة الكاز وفتيل من قماش. بالإضافة إلى الشمع ومصباح المرايا المتطور ومصباح الكربون الذي كانت إنارته قوية أما مياه الشرب فكانت الحنفيات منعدمة بالأحياء الشعبية بخلاف "الفيلاج" الذي كانت منازله مرتبطة بقنوات المياه وكانت بعض الحنفيات "بالفيلاج" لماء السبيل. أما بالدوار فكان كل منزل يتوفر على بئر وكانت الفرشة المائية قريبة ثلاث أو أربع "كامات" ومع كثرة هذه الآبار شح الماء وتحولت هذه الآبار إلى مراحيض ساهمت في تلوث هذه الفرشة.
هذه الحياة المعيشية الكئيبة إمتد آثارها إلى بداية الخمسينات فما زلت أذكرأننا كنا نذهب عند النجار لنفصل "قرقابة" خشبية على المقاص لننتعلها بدل الحذاء وكانت عملية السير بالقبقاب تحدث رنينا موسيقيا محببا.
وعلى المستوى المعيشي لغالبية السكان فإذا ما استثنينا القلة القليلة من الموظفين تعليم صحة وعمال معمل لاسيليلوز فالباقي يمتهن بعض المهن كباعة متجولون في الأسواق كبقالة أوجزارة أوبعض المهن الحرة التي لا ترقى في مجملها إلى مستوى تحسين الدخل الفردي. أما الغالبية العظمى من السكان فكانت مرتبطة بالعمل بالغابات المنتشرة بالضواحي كعطاشة يشتغلون في ظروف لاإنسانية يتنقلون من غابة ألى أخرى يسكنون في "الكربيات" يشتغلون وأفراد أسرهم يبدلون الجهد والعرق مقابل أجور زهيدة هذه الشريحة من المجتمع التي أفنت حياتها في خدمة مجموعة من الإقطاعيين الجدد الذين اغتنوا في ظروف وجيزة والذين تنكر البعض منهم للمدينة التي آوتهم وكانت مصدر النعمة التي ظهرت عليهم بحيث فضلوا الإنتقال إلى مدن أخرى فبدل إنشاء مشاريع بالمدينة مصانع ومقاولات لخلق مناصب شغل لأبناء هؤلاء الذين استغلوهم للوصول إلى غاياتهم اختاروا توظيف أموالهم في مشاريع أخرى خارج المدينة بل الأدهى من هذا أنهم تدخلوا لدى السلطات المحلية لرفض عقود عمل بالخارج استفادت منها المدينة بدعوى أن هذه العقود ستتسبب في وجود خصاص في اليد العاملة الغابوية ومع الأسف استجاب المسؤولون لهذا الطلب وتم تزويد سيدي سليمان بالعقود المذكورة واليوم نرى بالعين المجردة مساهمات اليد العاملة السليمانية في بناء المدينة ورقيها.
ذاكرة هذه المدينة تتحسر على ضياع مداخل هذه الثروة الغابوية الهائلة. فبقدر ما كانت نعمة على البعض كانت نقمة بالنسبة للبعض الآخر فحتى مداخيل الجماعات المحلية المتعاقبة من الرسوم المفروضة على الغابات والتي كانت تقدر بالملايير لم تستفد منها المدينة فهذا التوسع العمراني الحاصل هو نتاج ما شيده السكان من أموالهم الخاصة.
في بداية الإستقلال شكل الإقبال على التمدرس ظاهرة ملحوظة بعد أن كان الجميع يتلقى تعليمه الأولي بالكتاتيب القرآنية مسجد الفقيه السي حميد لطفي ومسجد السي عبد السلام الطاهري بدوار الشانطي كانت الدراسة بالمدرسة الإبتدائية، يقدم للتلميذ نصف دفتر وريشة للكتابة وكانت الكتب والمطبوعات ضئيلة ويعتمد في الدراسة على المعلم والسبورة والخيال. وغالبا ما كان التلميذ يتخرج عند حصوله على الشهادة الإبتدائية ليدق أبواب الوظيفة لأن استكمال الدراسة يتطلب إمكانيات ومصاريف فوق طاقة غالبية السكان الذين كانوا يعيشون على الكفاف. وبعد إحداث أقسام تكميلية ثانوية وصناعية إستطاع العديد من التلاميذ أن يقطعوا أشواطا مهمة في الدراسة أهلتهم للحصول على أعلى الشهادات. كان التلاميذ يتنافسون بجدية فيما بينهم لأن الظروف كانت مناسبة فلا ملاهي ولا تيلفزيون ولا ملاعب رياضية .فحتى الموسيقى كانت تقتصر على الأغاني الشرقية عبد الوهاب أم كلثوم وأسمهان أما الأغاني المغربية الموجودة أنداك أغاني الفنان الحسين السلاوي وأغاني الملحون والطرب الغرناطي والأندلسي.
وفي غياب المكتبات وأكشاك بيع الجرائد والمجلات كان أي كتاب أو مجلة يحصل عليه أحدهم يجد طريقه في دورة طويلة ليطلع عليه أكبر عدد ممكن من التلامذة والطلاب لتعم الفائدة وهذه الرغبة الملحة في المعرفة جعلت نتائج هؤلاء التلاميذ الدراسية مشجعة بحيث أن الثانوية كانت تتبوأ الدرجة الأولى من حيث نتائج الناجحين في الإمتحانات على الصعيد الإقليمي الشهادة الثانوية وبعدها الباكالوريا هذه الظروف الجيدة أعطت أكلها بحيث تخرج العديد من التلاميذ والطلاب ساهموا في سد الخصاص الحاصل في الوظائف العمومية التعليم – الصحة- وغيرها. رغم محدودية التكوين وكان أول فوج شارك في التعليم- لمديني –صندود-العمراني-اومد لوز-الرفاقى- أما من النساء فكانت أول الملتحقات بالتعليم السيدة –فاطمة امهاية- ولحسيري امباركة- و أول ممرضة كانت السيدة-اهنية شحواطة- الذي يحمل اسمها ملحق مستشفى الإدريسي بالقنيطرة وهذا شرف لها ولمدينتها ثم بعد ذلك في بداية السبعينات تخرجت دفعة من المهندسين من بينهم السيد ادريس الميس ودرناج عبد القادر ثم علي السعدي و شروف ادريس واللائحة طويلة كما تخرج فوج من الدكاترة الراجي محمد حاصل على دكتورتين شروف امحمد دكتورة في الفيزياء المهزولي حسام دكتورة في الرياضيات وغيرهم كثير لايتسع المجال لذكرهم جميعا ...
تكتفي ذاكرة المدينة بهذا القدر والى لقاء قريب بحول الله.

بحث في الجريدة الإلكترونية

التعليقات لا تعبر عن رأي الجريدة بل تلزم أصحابها فقط