آخر الأخبار
سيدي يحيى بريس ترحب بكم ...
الرئيسيـــــــــــــــــــة فيديوهات سيدي يحيى بريس نحن دائمـــــــــا معكم إتصل بنـــــــا
طبوغرافية الزمن اليحيــــــــــــــاوي ~ سيدي يحيى بريس

طبوغرافية الزمن اليحيــــــــــــــاوي


طبوغرافية الزمن اليحيــــــــــــــاوي

حسن المهداني يونيو 2015


ذلك الحكواتي (الحلايقي) الذي كنا نكنيه ب(القرع) والذي كنا نحج إلى حلقته كبارا وصغارا ذكورا وإناثا، لم نكن نعرف أن إحدى الاستعارات التي كان يرددها كلما اجتمعت حلقته ستنطبق عليها تشبيها ومثلا. وتقول هذه الحكاية أن إحدى البقرات لما رأت سكين الجزار، انخرطت في البكاء فلما سألها عما يبكيها قالت : "أنا لا أخاف سكين الجزار فذاك قدري، و لكني أخاف من أشباه الجزارين وأصحاب "الشكامبا" الذين لا يفرقون بين المفاصل والعظام فيهشمونها ويقطعونني أشلاء.
ظل الأقرع يردد علينا حكاية بقرته حتى حفظناها ثم أصبحنا نسخر منه ونسبقه في سردها حتى أصبحنا نثير حنقه وغيضه، وبينما كنا كمراهقين، نشفي غليلنا في هذا "الأقرع" الذي كان يتباهى بقصته وهو يرويها بحداقته وحركاته الايحائية وجسده المتمايل أمام الطيبين السذج، لم نكن نعلم أن القدر الماكر سيجسد هذه القصة في الواقع أي في جماعة سيدي يحيى الغرب وليس في حلقة "القرع" فكان أن سقطت البقرة في سنوات الجذب السياسي بين الكلاب والضباع واللصوص. غريب أمر هذه البلاد كغرابة التخلي عنها وتركها لمواجهة قدرها.
في البدء كانت الكنيسة ومحطة القطار ونزل ومقهى (مدام فيليب) و حانة "بار لحسن" و سينما "كوبا كبانا" أو سينما "الريف" ومقهى عبد الجبار ودرب الجوع ودوار عمال (السيليلوز) أي (دوار الشانطي)، تموت بلاد و تنبت إلى جانبها بلاد إسمها التجهيز والوحدة 1 و2 و3 و4 وو ..... بلاد مشروحة في المكان و الزمان، تعيش زمنين في مكان ومكانين في زمن. كل شيء كيفما اتفق، والمسؤولية تمشي على عواهنها، ولصوصها يعشقون عشوائيتها، ويعيشون عليها. هذه السماء ليست سماؤنا وأرضنا تهرب من تحت أرجلنا ككتبان رملية – هل يجب التوسع يمينا أم شمالا، شرقا أم غربا. ففي الشمال مستودع الخشب وفي الجنوب جنون قبيلة نهبت أرضها وفي الأسفل فقر مدقع يفر من بشاعته الفقر، و في الأعلى سقف واطئ يحرسه اللقطاء.
قال مستغربا :
- وماذا فعلت هذه الشقية حتى يحكم عليها بالتذبيح وتقطيع أوصالها هكذا؟ لا بد أنه أمر جلل.
قلت :
في سنة 1965 سمعت صرخة على بعد كيلومترين من سيدي يحيى، صرخة مزقت الأفق، وتردد صداها في آذان الناس ولهجت أفواههم باسمه.
- قل بالله عليك أهذا الحد؟
لقد أعلن عمال "لسيليلوز" إضرابا سياسيا على إثر إغتيال الشهيد المهدي بن بركة، فمن يجرؤ على هذا يوم عاد القواد مرتدين جثة التقية وتغلبت سلطة النزوة والشهوة، وسجن أبطال الاستقلال، وحمل الخونة على هودج المناصب والمراتب.
- إذن فأنتم من المغضوب عليهم.
- بل كنا ضحية ضحية انتهاكات تنموية جسيمة وتكالبت علينا لوبيات المصالح والريع.
- وماذا بعد؟
جاؤوا بزعيم مفبرك لا هو عين، بل بطن بلا أضلاع، هتك عرضها وأدمى ضرعها ثم تركها لكلاب الديمقراطية الضالة. ثم في سنة 1992 قصوا أجنحتها و قالوا : "خذوا فهذا مقاسكم أيها المهديون، ومنذ اليوم سيحكمكم الصبيان والغلمان والدراري واللقطاء".
- وأنتم ماذا قلتم؟
- عشاؤكم ليس الأخير، مهربون وعمريون ويحياويون مقاومون في دار السيبة كنبات الصبار الشريف نأكل من ترابنا ونثمر، لا نساوم ولا نهادن ولو دقت أعناقنا على حجر ولو جاؤوا بكل كنوز الدنيا.
- سقطت البقرة إذن واستلت السكاكين وتناثرت الأشلاء وهاهم أصحاب "الشكامبا" يعبثون بالأحشاء وها هي الكلاب الضالة تتنابح حول العظام وها نحن اليوم نعيش كالذات المشروخة نصفها أصلي يطاله الاهمال والنسيان والنصف الجديد يتمدد عشوائيا ويزحف كمرض السرطان.
- ومن المفارقات الغريبة أن يتم هدم السينما وحدها من فضاءها الأصلي كعلامة ثقافية وحيدة ويترك الباقي للتهميش والانحلال كي يسهل على "المنهشين" و"المبيضين" إفتراسه، وها هي التجزئات تهيئ كيفما اتفق وفي مناطق غير صالحة للبناء، حتى عاد واد قديم (واد الحيمر) إلى مجراه وأصبح يهدد المدينة طولا وعرضا.
- العقار المشاع تجهل حتى ملكية بعضه وأغنياء جدد ولصوص الزمن الجديد، وغيبوبة المسؤولين أو حيادهم التحكمي في أحسن الأحوال حتى بات يلازمني هذا السؤال : "من يحكم هذه البلاد وماذا يريد المخزن منا؟ وإني لأتحدى الجميع أن يدلني على جهة ما تملك رؤية أو خطة لتنمية هذه البقعة/الحفرة المنسية، ولكي لا نذهب بعيدا، عودوا فقط إلى تصاميم التهيئة المغبرة على الرفوف لتجدوا الجواب، وقبل هذا وبعده من سيجيب عن معضلة "دوار الشانطي" المقاوم الذي أصبح وصمة عار تجملها جباه الأموات والأحياء، فعن أي مدينة بلا صفيح نتحدث؟ بل هم الآن يثرثرون حول عدالة مجالية وقد بقي الوطن لأكثر من نصف قرن رهين مقاربة هاجسها أمني واستبدادي يتحكم في كل شيء ويكبح جماح التنمية بمداخلها الطبيعية.
ومنذ الاستقلال إلى منعطف الميثاق الوطني لإعداد التراب، ها هي العشوائية تزحف على الجهوية وتدهس اللامركزية واللاتركيز. فهل تكفي النصوص بعد أن فقدنا الانسان أغلى و أثمن رأسمال؟.

بحث في الجريدة الإلكترونية

التعليقات لا تعبر عن رأي الجريدة بل تلزم أصحابها فقط