آخر الأخبار
سيدي يحيى بريس ترحب بكم ...
الرئيسيـــــــــــــــــــة فيديوهات سيدي يحيى بريس نحن دائمـــــــــا معكم إتصل بنـــــــا
سقطت قطرة الندى : إلى روح يحيى القطراني ~ سيدي يحيى بريس

سقطت قطرة الندى : إلى روح يحيى القطراني


سقطت قطرة الندى : إلى روح يحيى القطراني


حسن المهداني مارس 2016


يحيى لا يموت، بل توقف فقط ذلك القلب الطيب الجميل عن الخفقان : هكذا قال قلبي المتعب من الفقد والوجد وعبثية العدم في الوجود. يحيى : منذ مدة استنكفت ولم تعد تستهويني خواطري الصغيرة المنثورة على أمكنة يسكنها الخراب، وآدمي كأنه جذع نخلة خاوي، وقلوب كأوعية فارغة. لا لم تعد تغريني غواية نثر الملح على أرض عجفاء لا تلد سوى المسخ والأشباح.
لعبة السرد المخاتلة للحقيقة التي أمارسها كتفجع لم تعد تغريني لم أعد ذلك العطار الذي يزين للعجوز وجهها المترهل كيف لي أن أجمل القبح في وجه الذئاب، وأنثر الورد على كتل من النفايات تمشي على أقدام؟ كيف لي وقد انفصلت الكلمات عن الأشياء والأفكار عن معانيها وقفزت عليها، واتحد النقيض بالنقيض فلم ينتج سلبا وعدمية.
لا دموع الخنساء التي أفقدتها بصرها، ولا الكلمات التي كانت تدمي وهي تعدد صروف فجيعتها، كل هذا لم يشفع للموت أمام حبها ولم يستطع أن يرد لها أخاها صخر، فكيف سأرثيك يا زين الفتيان؟
في دار الشباب تجمعت أرواح لم تقطف سياجات سياسة ليوطي، واستبداد المخزن وثقافة الاستعباد. كنت أدخل على يحيى في القاعة الصغيرة المحادية للإدارة منهمكا فيما كنا نسميه "المعامل التربوية"، فتسبقه ابتسامته قبل تحيته. يمزج الألوان ويشكل الأحجام ويرسم المساحات ويقيس الخطوط ويركب الخشب أو يقولب الجبص لأطفال مبتهجين لم يعرفوا سوى اللعب في الوحل والجري خلف الريح بينما كانت أصوات صغيرة أخرى في القاعة الكبيرة، تصدح بأغنية "مارسيل خليفة: إني اخترتك يا وطني" وقد تآمرنا كي نجعلها نشيدا ينتهي بغضب يغضب صاحبنا الذي يمارس رقابة ذاتية قبل أن يمارسها على النشيد، في هذا الزمن الذي قضيناه بدار الشباب ومر كالبرق ولم تبقى منه إلا خواطر. وفي جمعية الشعلة كان أحد أصدقائه (الكوادي) يمازحه بقلب حروف نسبه وعوض (القطراني) كان يقول (قطره إني). نعم كان يحيى هادئا كنسيم الفجر، رقيقا كحفيف الأشجار، ناعما كقطرة الندى عندما تسقط على خدك، لكنه إذا غضب يصبح صعب المراس. ومن اللحظات المتوترة جدا عند يحيى هي عندما خاض –بمعية بعض شباب فرع سيدي يحيى الغرب لجمعية الشعلة للتربية والثقافة– تمردا على المكتب المركزي.
وقد ترك هذا جرحا غائرا وجرحا ينزف دما اشتمت الذئاب رائحته فلم يصبح الفرع سوى أثر بعد عين.
فلا غرابة إذن أن يسمى أول ابن له ب"إياد" ويفتح حسابا على "الفايسبوك" باسم "أبو إياد". وكم كنت أستحلى أن أناديه باسمه الحركي "أبو إياد" أو لقبه إن شئتم كلما التقينا لتنفرج أسارير أبو إياد وتضحك عيناه –"أبو إياد" أنت سر يا يحيى؟ أبو إياد ذلك الصامت إلا قليلا، المتحرك دائما الفاعل كثيرا وأحد مهندسي الإنتفاضة الفلسطينية المجيدة بعد أن سكنت عقدة الهزيمة لا وعينا– أبو إياد، ألا يزال أحد في زمننا يفتخر بالإنتماء إلى القضية الفلسطينية، ويخلدها باستعارة إسم أحد رموزها البارزين. فعلا أنت سر يا يحيى.
أبو إياد؟ أي عنفوان كان يحمل ذلك القلب الرهيف؟
أحيانا يكون الأحرى ألا نعرف ولا نفهم، أحيانا نتمنى أن نفقد الوعي بالإحساس، وأن تتبلد حواسنا كي نرتاح كما هم الناس مرتاحون -بحثت عن معنى موت السكتة القلبية وليتني ما بحثت فهي تعني الموت اختناقا، أي أن يتوقف التنفس، ألا يدخل الهواء ولا يخرج أي أن تنسد الشرايين وينحبس التيار في الدماغ– آه يا ربي هل كان هذا الطيب الخجول المرهف الحس والجوارح يستحق هذه النهاية!!؟ أو ليست المنايا عمياء تخبط خبط عشواء من تصب كما قال الشاعر؟ فلما تمضي أيام معدودات على رحيل الأب "الحاج القطراني" حتى خطفت منا هذه العبثة يحيى وفي غمرة حزن العائلة عن أبيها فبأي شيء سأومن؟ أبالوجود أم بالعدم؟ أبالحياة أم بالموت؟ فلتكن واقعيا يا قلب وأعترف بضرورة العبث وعبث الضرورة الشوبنهاوري أو بحقيقة العبث وعبث الحقيقة –وفي ذلك الركن القصي من وحدتك أجلس واستعرض وجوه أحبته رحلوا في المكان دون أن يلتفتوا. واآخرون بمحض إرادة العبث سافروا في الزمن ولن يعودوا بعد أن التفتوا مرة أخيرة وودعوني "كأني آخر الحرس" كما يقول (درويش).

>

بحث في الجريدة الإلكترونية

التعليقات لا تعبر عن رأي الجريدة بل تلزم أصحابها فقط