آخر الأخبار
سيدي يحيى بريس ترحب بكم ...
الرئيسيـــــــــــــــــــة فيديوهات سيدي يحيى بريس نحن دائمـــــــــا معكم إتصل بنـــــــا
العريضة وآفاق التنمية المحلية ~ سيدي يحيى بريس

العريضة وآفاق التنمية المحلية


العريضة وآفاق التنمية المحلية


الكبير الجربي يناير 2017

أمام استحالة تطبيق الديمقراطية المباشرة والعيوب والنقائص التي أبانت عنها الديمقراطية التمثيلية، تبنت مجموعة من الدول أساليب تكميلية تهدف إلى إشراك المواطن في اتخاذ القرار العمومي في جميع مراحله صياغةً، تتبعاً، تنفيذاً ثم تقييماً، وذلك من خلال تكريس حق تقديم العرائض كإحدى أهم آليات الديمقراطية التشاركية أو التداولية، والتي تصنف في خانة الجيل الثالث من الحقوق٠
فالعرائض فكرة دولية رائدة عرفتها الكثير من الديمقراطيات العريقة وخطت بشأنها خطوات متقدمة، إذ يمكن إرجاعها إلى الوثائق الإنجليزية كالميثاق الأعظم "Magna Carta"، ملتمس الحقوق"Petions of Rignts"- ثم لائحة الحقوق "Bill of Rights"٠
وبالرجوع إلى القانون المقارن، نجد مثلا أن بريطانيا ذات النظام القائم على الأعراف الدستورية قد أقرت لمواطنيها هذا الحق منذ سنة 1215من خلال الميثاق الأعظم-Magna Carta- حيث سمحت بتقديم عرائض للملك. اسبانيا كرسته أيضاً دستورياً من خلال الفصل29، ألمانيا في الفصل21، ايطاليا من خلال الفصل50، البرتغال في الفصل 52، الفصل17 من دستور ألمانيا كرس حق المواطنين في تقديم عرائض إلى البانديستاك Bundestag (مجلس النواب). كذلك اليونان أقرته من خلال الفصل10 ثم هولندا في الفصل50. أما في فرنسا، فإن التكريس الفعلي لهذا الحق قد كان مع الإعلان الفرنسي للحقوق والمواطن الصادر سنة 1789 وإن كان قائماً من قبل لكن في صيغة تظلمات وشكاوى شخصية٠
فإذا كانت هذه الدول وغيرها قد كرست حق العرائض في تشريعاتها، فإن الباحثين يقرون بعدم وجود نموذج واحد ومُوحد بين الكثير من الأنظمة بشأن تحديد شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق، لا فيما يخص شكل العريضة، المجالات التي تكون موضوعاً لها وكذا المجالات المستثناة منها، العدد الأدنى المطلوب من التوقيعات، شكل التوقيع (كتابياً كان أم الكترونياً)، أو الجهات المتلقية للعريضة وتلك التي تتولى فحصها والبث فيها وكذا إمكانية ممارسة حق الطعن الإداري أو القضائي في قرار رفض العريضة من عدمها٠
أما بالنسبة للمغرب، فإنه يمكن الحديث عن العريضة في مفهومها الكلاسيكي في فترات مختلفة من التاريخ السياسي المغربي، حيث كانت تأخذ تارة شكل تظلمات وشكاوى تقدم إلى السلطات العمومية بمختلف مستوياتها معينة كانت أو منتخبة، أو في صيغة مطالب تحكيم ملكي كلما كانت تنشب خلافات في مواضيع ما بين بعض المكونات السياسية أو المدنية أو ما بين مؤسسات دستورية. كما كانت تأتي في شكل مذكرات إصلاحية من جانب بعض القوى السياسية والحقوقية. وقد ظهرت العريضة أيضاً في فترة الحماية حيث تمحور موضوعها حول المطالبة بالاستقلال٠
لكن التكريس الحقيقي للعرائض كان مع الإصلاحات الدستورية الذي أقدمت عليها الدولة سنة 2011، حيث أنه وبالرجوع إلى الوثيقة الدستورية الجديدة، نلاحظ أن المشرع الأساسي قد ميز بين ثلاثة أنواع من العرائض. وفي هذا الصدد، يمكن الحديث عن ثلاث مستويات ذات أبعاد مختلفة :
المستوى الأول :
- العرائض الموجهة إلى السلطات العمومية وهي التي نص عليها الفصل15 من الدستور ((للمواطنين والمواطنات الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية...))٠
المستوى الثاني :
- العرائض المتعلقة بالمبادرة الشعبية في مجال التشريع أو كما جاءت في المتن الدستوري بلفظ "اقتراحات" حسب منطوق الفصل 14. وتسمى عادة "الملتمسات" استناداً إلى الترجمة باللغة الفرنسية "Motions": ((للمواطنين والمواطنات، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، الحق في تقديم اقتراحات في مجال التشريع.)). وهذه العرائض لها بُعد تشريعي تهدف إلى تقديم مبادرة شعبية من أجل وضع قانون جديد أو تعديل جزئي أو كلي لقانون نافذ. كما أنها تقدم من لدن الأفراد دون الجمعيات٠
المستوى الثالث :
- العرائض الموجهة إلى مجالس الجماعات الترابية أي الجهات، العمالات والأقاليم ثم الجماعات، الهدف منها المطالبة بإدراج نقطة تدخل في اختصاصها ضمن جدول أعمالها طبقاً لما ينص عليه الفصل139: ((...يُمكن للمواطنات والمواطنين والجمعيات تقديم عرائض، الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله)). وهذا النوع من العرائض، وعلى خلاف النوعين الأول والثاني، مرتبط بصفة مباشرة بتدبير الشأن العام المحلي وبانشغالات وقضايا ساكنة الجماعة الترابية المعنية، وليس بالقضايا ذات البعد الوطني. كما أنه حق مكفول للمواطنين وكذا للجمعيات٠
سنحاول في هذه الورقة التركيز على دور العرائض الموجهة إلى مجالس الجماعات كآلية جديدة للديمقراطية التداولية والتي تهدف إلى إشراك المواطن في تدبير الشأن المحلي وفي المساهمة في بلورة سياسات عمومية ذات أبعاد تنموية، تجعل من الساكنة محورها. على أن نتطرق للنوعين المتبقيين في مقالات أخرى مستقبلاً٠
لقد أبانت الديمقراطية التمثيلية المحلية بالمغرب وكذا في العديد من التجارب الدولية المقارنة عن محدوديتها ونقائصها، إذ أنها لم تف بالغرض المطلوب، ولم تترجم بشكل فعال وناجع ما ينتظره المواطن من سياسات عمومية كفيلة بتجاوز معيقات وإكراهات التنمية في جوانبها الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية وكذا البيئية.
كما أن النظام التمثيلي تحول إلى نوع من "الديكتاتورية" عند الكثير من المنتخبين سيما لعدم إمكانية استعمال الرقابة الشعبية المباشرة طيلة مدة الانتداب من جهة، ومن جهة ثانية لاستحالة تطبيق الوكالة الآمرة -Mondat impératif- وما تقتضيه من المنتخب من ترجمة التعهدات التي أخذها على عاتقه على أرض الواقع والعمل بتوجيهات ناخبيه طيلة مدة انتدابه -تحت طائلة تجريده من الوظيفة التمثيلية-. من هنا جاءت الحاجة إلى سد الفراغ الذي خلقته أزمة التمثيل عبر صيغ ميسرة وقابلة للتطبيق من خلال العرائض كوصفات تكميلية وإن لم تكن بديلة٠
فلقد أقر الدستور المغربي من خلال الفصل139 حق المواطنات والمواطنين والجمعيات تقديم عرائض إلى مجالس الجماعات الترابية لطلب إدراج نقطة من النقط في جدول أعمال هذه المجالس في موضوع الاختصاصات التي أوكلها لها المشرع. وهو ما يمكن اعتباره -في تقديرنا- ارتقاءاً بالمركز القانوني للمواطن وجعله كأحد الفاعلين الرئيسيين في موضوع السياسات العمومية المحلية. كما يشكل الأمر محاولةً لإعادة النظر في طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين مجالس الجماعات الترابية المنتخبة -ذات الموقع السيادي على المستوى القرار المحلي- والساكنة، سيما وأن وظيفة الناخب كانت تتوقف عند محطة انتخاب من يمثله، ومن تَم القبول بمُخرجات (Out Put) مصاغة على مقاس أغلبيات المجالس، ولا تعكس في الكثير من الأحيان حقيقة ما تصبو إليه الساكنة من إنجازات ومطالب في مجال التنمية المحلية، ومن تم لا تقدم إجابات مقنعة عن مدخلات الشارع، إذ لا يصل دور الناخب إلى حد الترافع المباشر والاقتراح الشخصي والمشاركة ثم المساهمة الفعاليتين في وضع الخطط والبرامج والاستراتيجيات المحلية٠
وبالرجوع إلى القانون التنظيمي رقم:113.14 المتعلق بالجماعات، نلاحظ أن المشرع نص على العرائض في الباب السادس المخصص لشروط تقديم العرائض من قبل المواطنات والمواطنين والجمعيات حيث خصص لها المواد: 121، 122، 123، 124، و125 من ذات القانون، وبين من خلالها شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق سواء من طرف المواطنات والمواطنين من جهة (شرط: السكنى بالجماعة المعنية أو ممارسة نشاط تجاري أو مهني أو اقتصادي بها، القيد في اللوائح الانتخابية، وجود مصلحة مشتركة في تقديم العريض، 100توقيع بالنسبة للجماعات ذات التعداد السكاني الذي يقل عن 35000نسمة و200توقيع للجماعات الأخرى و400توقيع بخصوص الجماعات ذات نظام المقاطعات)، أو من قبل الجمعيات من جهة ثانية (شرط أن تكون معترف بها، مؤسسة طبقاً للتشريع الوطني ومنذ ما يزيد عن 3 سنوات وتعمل طبقا للمبادئ الديمقراطية ولقوانينها الأساسية، في وضعية سليمة مع القوانين والأنظمة المعمول بها، وجود مقرها أو أحد فروعها بالنفوذ الترابي للجماعة المعنية وكذا ارتباط نشاطها بموضوع العريضة) من جهة ثانية. كما ربط المشرع ممارسة هذا الحق بعدم مساس العريضة بالتوابث المنصوص عليها في الدستور في فصله الأول وهي: الدين الإسلامي، النظام الملكي للدولة، ثم اختيارها الديمقراطي٠
أما عن أهمية هذه العرائض ووظائفها، فتبرز انطلاقاً من جسامة وحجم الاختصاصات التي خولها المشرع لمجالس الجماعات. وهذه الاختصاصات سواء الذاتية منها، المشتركة أو المنقولة لها من الدولة، هي ذات أبعاد متفرعة ومتنوعة ومرتبطة أساساً بمجالات التنمية الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية ثم البيئية، وتتمحور مواضيعها -لا على سبيل الحصر- حول: البنيات التحتية، المرافق العمومية أو المجالات الثقافية والبيئية... كالطرق، المسالك، التطهير بنوعين السائل والصلب، الإنارة، الماء الشروب، الساحات العمومية، الفضاءات الخضراء، سلامة البيئة، الصحة العامة، الملاعب الرياضية، الأسواق الجماعية، مرافق القرب، السير والجولان، وضعية المقابر وعملية نقل ودفن الأموات، إحداث وتدبير المجازر والدبح ونقل اللحوم، المدارس ومراكز التأهيل والتكوين المهني، مجال التعاون اللامركزي ...٠
إذ تبقى لممارسة هذه الاختصاصات وغيرها مما خوله المشرع لمجالس الجماعات أهمية قصوى في تحريك عجلة التنمية لدى الساكنة المحلية والارتقاء بمستوياتها المعيشية وكذا تلبية مجموعة من الحاجيات الاجتماعية والثقافية والبيئية لدى الفئة المستهدفة. ومن تم، فإن ممارسة الساكنة لهذا الحق الدستوري من خلال العرائض هو بطريقة أخرى تَدَخل وإسهام ايجابيين في ممارسة اختصاصات الجماعات، وتقويم لكل اختلال قد يحدث من جانب هذه المجالس، وتحقيق ما قد تغفل عنه هذه الأخيرة أو تتغاضى عنه لسبب من الأسباب، أو تحيده جانباً. وهو الأمر الذي من شأنه أن يقدم لا محالة قيمة مضافة نوعية لعمل المجالس المنتخبة، ويغطي النقائص ويتجاوز المعيقات التي عانت منها الديمقراطية التمثيلية في مجال تدبير الشأن العام المحلي، وذلك عبر إغنائها باجتهادات خلاقة وآراء واقتراحات في موضعها قد يستعصي عادة على المنتخب الإتيان بها في حينها، سيما و أن المجتمع يزخز بطاقات فكرية وعلمية لا تجد في الغالب مكانتها في مجالس الجماعات لكون الممارسة السياسية ببلادنا قد أتبثت أن الأطر العليا والكفاءات القادرة على الابتكار والإبداع الخلاق في مجال التدبير عادة لا تتمكن، ولأسباب ومسببات متعددة، من الوصول إلى الوظائف التمثيلية، ومن تم تبقى خارج مراكز اتخاذ القرار والتدبير. وهذا الإسهام كله بطبيعة الحال يصب في الاتجاه الذي يخدم مصلحة الساكنة ويرقى بأوضاعها المعيشية. فمجال سياسات التنمية يجب أن تلتقي فيه أفكار واقتراحات كل من السياسي والمدني والأكاديمي...، ويجب أن لا يبقى بأي حال من الأحوال مجالا محتكرا بين أيدي القلة القليلة أو ما يعرف في قاموس السياسة بديمقراطية القلة أو الأوليجارشية (Olygarchie)٠
بيد أن نجاح تجربة العرائض هاته تبقى رهينة بتوفر مجموعة من الشروط منها الإطار القانوني بما يبسطه أو يقيده، ومنها ما له صلة بثقافة ووعي المواطن وكذا مختلف فعاليات المجتمع المدني المحلي (الجمعيات)، وأيضاً بحضور الإرادة الحقيقية عند الفاعلين السياسيين بمجالس الجماعات كأهم طرف موكول له تدبير الشأن المحلي والجهة التي ستتداول في شأن العريضة شكلاً ومضموناً لاتخاذ القرار بقبولها أو رفضها من جهة أخرى. فالرهان إذن معلق على كل هؤلاء المتدخلين لإنجاح هذه التجربة الجديدة في مجال العرائض وتجاوز كل الحسابات الضيقة التي من شأنها أن تقلل من فعالية هذه الآلية الديمقراطية أو تعصف بها وتجهضها بالكل. فالتناغم والتقارب ما بين أفكار السياسيين بمختلف ألوانهم داخل المجالس، وكذا ما بين السياسي والمدني يعتبر شرطاً إلزامياً للوصول إلى هذا المبتغى، سيما وأن هدف تحقيق التنمية المحلية الشاملة، المستدامة والمندمجة ليست مسؤولية جهة دون الأخرى، كما أن أبعادها ونتائجها ليست أيضاً لفائدة طيف اجتماعي دون غيره، فهي من الساكنة ولأجل الساكنة. فهذه المحطة إذن هي بمثابة اختبار حقيقي لقياس مدى نضج الساكنة وقدرتها على الترافع والدفاع عن مصالحها والمساهمة والمشاركة المباشرة في تدبير شؤونها من جهة، وكذا لإظهار حسن النوايا والجدية وكذا روح المواطنة ثم ايثار الصالح العام لدى المنتخبين المحليين الذين هم اليوم مطالبون بالقبول بالمواطن كقوة اقتراحية جديدة وشريك مباشر وحقيقي في تدبير الشأن العام المحلي، من خلال تقديم العرائض كآلية جديدة -في التجربة المغربية- ومن تم المزج والتكامل ما بين الديمقراطية المباشرة عبر تدخل المواطن، والديمقراطية التمثيلية عن طريق مجالس الجماعات، في أفق تحقيق تنمية شاملة، مستدامة ومندمجة في مرحلة ما بعد إقرار دستور2011 تجعل من الساكنة منطلقاً وهدفاً لها في نفس الوقت٠
الكبير الجربي : باحث بسلك الدكتوراه في القانون الدستوري

بحث في الجريدة الإلكترونية

التعليقات لا تعبر عن رأي الجريدة بل تلزم أصحابها فقط