آخر الأخبار
سيدي يحيى بريس ترحب بكم ...
الرئيسيـــــــــــــــــــة فيديوهات سيدي يحيى بريس نحن دائمـــــــــا معكم إتصل بنـــــــا
المــــــــــــــلك غاضــــــــــــــــــــبا ~ سيدي يحيى بريس

المــــــــــــــلك غاضــــــــــــــــــــبا


المــــــــــــــلك غاضــــــــــــــــــــبا


يحيى عمران غشت 2017

بشكل غير مسبوق في تاريخ خطب ملك المغرب محمد السادس وسلفه الحسن الثاني لم يثبت أن تم تقديم خطاب العرش قبل آوانه المعهود بيوم واحد. فخطاب العرش الذي ألقاه الملك بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لاعتلاء سموه منصة الحكم والعرش بالمغرب جاء في سياق تاريخي محموم بلهيب الحركات الاحتجاجية المستمرة في مختلف ارجاء المغرب، وخاصة حراك الكبار، حراك الريف٠
في هذا السياق المؤطر لخطاب العرش يمكن النظر إليه من مدخلين اثنين : مدخل الشكل والاسلوب ولغة الخطاب وغلافه الزمني، ومدخل الجوهر ومدخلاته ومخرجاته التي أفرزها على أصعدة عدة٠
أما على مستوى الشكل، فإن التعجيل بتقديم الخطاب بشكل غير معهود يحمل رسائل مشفرة، اهمها ان الحدث او البؤرة المؤطرة للخطاب هي بؤرة حارقة ومتوهجة تشعلها الاسباب والدواعي والسياقات التي سارت بالمغرب نحو هذا المسلك الاحتجاجي الناري الذي اشرأبت له أعناق العالم الغربي والشرقي معا٠
فهي أحداث ملحة تستدعي التدخل العاجل والفوري بشكل أو بأخر لتخفيف حدة التوتر والاحتقان الاجتماعي المتنامي في بقاع المملكة المغربية. كما أنها رسالة ترمي الى رسم معالم تقاسم الهم والشكوى والتشاؤم والاستنكار والاحتجاج بين السلطة في شخص المؤسسة الملكية والشعب في شخص شعب المحتجين والمحتجات بمختلف اطيافهم وتلويناتهم٠
خاصية أخرى من الخصائص الشكلية التي وسمت هذا الخطاب، وهي خاصية الامتداد الزمني. فقد يكون هذا الخطاب من بين أطول الخطب الملكية على مستوى الغلاف الزمني، تجاوزالعشرين بثلات دقائق، وهو اختيار ربما اضطراري فيه ما فيه من رسائل الاهتمام المتزايد بالحدث ومحاولة التعبير عن تغطية مختلف الجوانب والهوامش المرتبطة به٠
ويبدو ان اللغة التي انفجرت من اعماق الخطاب الملكي تعلن عن تدفقها المتسرع وانسلالها الهائج الجارف في إشارة الى الوصول لمراتب الغضب ودرجات الشك والارتياب، بل إلى عمق الايمان بالتشاؤم الذي استدركه بالتشاؤل بتعبير المفكر أدونيس، حينما يقول الملك "إننا نعرف من نحن وأين نسير"٠
على مستوى لغة الخطاب الذي استند إليه الملك فقد تأسست على مستوى المقارنة بين القطاع الخاص والقطاع العام، بين الإدارة والإرادة، المسؤولية والهروب والاختباء، الواجب والإخلال بالواجب، الكفاءة والاستهتار وانعدام المسؤولية، التنظير والتفعيل للقوانين، الاحزاب والمؤسسات في مقابل الشعب وخدمته٠
والمتأمل الباحث الاكاديمي في تلابيب الخطاب الملكي قد لن يحيد عن التوظيف المتكرر للأنا الغاضبة والهائجة، المحتجة والمستنكرة حينا، والمتشائمة والشاكية أحايين اخرى، في قالب الاستفهام الاستنكاري الحائر، وإذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟٠
ثم يردف هذا الشك والاستنكار بتساؤلات تكشف حيرة وارتياب الملك في لحظة من لحظات الغضب والإنزعاج، وما معنى المسؤولية، إذا غاب عن صاحبها أبسط شروطها، وهو الإنصات إلى انشغالات المواطنين؟٠
أنا لا أفهم كيف يستطيع أي مسؤول، لا يقوم بواجبه، أن يخرج من بيته، ويستقل سيارته، ويقف في الضوء الأحمر، وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء، وهو يعلم بأنهم يعرفون بانه ليس له ضمير. ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم، رغم أنهم يؤدون القسم أمام الله والوطن والملك، ولا يقومون بواجبهم؟ ألا يجدر أن تتم محاسبة أو إقالة أي مسؤول، إذا ثبت في حقه تقصير أو إخلال في النهوض بمهامه؟٠
ثم ينتقل إلى لغة التاكيد والجزم والحسم والفصل والغضب في القضايا الملتهبة والاشكالية المؤسسة لمربع الازمة بالمملكة "وهنا أقولها بدون تردد أو مركب نقص : إذا كان بعض العدميين لا يريدون الاعتراف بذلك، أو يرفضون قول الحقيقة، فهذا مشكل يخصهم وحدهم"٠
ولعل الغضب والاحتجاج والاستنكار الذي يفوح من لغة الخطاب يظهر بشكل كبير في لحظة التقريع والتهديد وفي لغة التحذير والتوبيخ من خلال قوله : "ولكن إذا تخلف المسؤولون عن القيام بواجبهم، وتركوا قضايا الوطن والمواطنين عرضة للضياع، فإن مهامي الدستورية تلزمني بضمان أمن البلاد واستقرارها، وصيانة مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم. وعلى كل مسؤول أن يمارس صلاحياته دون انتظار الإذن من أحد. وعوض أن يبرر عجزه بترديد أسطوانة يمنعونني من القيام بعملي، فالأجدر به أن يقدم استقالته، التي لا يمنعه منها أحد. فالمغرب يجب أن يبقى فوق الجميع، فوق الأحزاب، وفوق الانتخابات، وفوق المناصب الإدارية"٠
هذه ملامح جزئية من شكل الخطاب ولغته وطريقة تدفق عباراته ومعجمة الصارم٠
أما على مستوى المضمون فقد رشحت من منطوق الخطاب رسائل واضحة فاضحة وكاشفة لأضرار الأزمة السياسية والتنموية والإدارية٠
أعطاب الإدارة العمومية، والقطاع العمومي عامة على مستوى الالتزام وغياب روح المسؤولية وضعف الاداء المهني والخيانة وتوظيفها في الصراع السياسي، وهنا نستشف شرعنة وتزكية للقطاع الخاص بما فيه من التزام وجودة الخدمات، وتبخيس للقطاع العمومي وموظفيه باعتبارهم اصل الداء في صناعة الازمات وتزكية الاحتقان داخل المملكة من جهة، وسبب بناء الحواجز بين المواطن ووطنه والانتماء إليه حسب منطوق النص٠
رسالة أخرى مريبة تتجلى في ضعف و تآكل أدوار الطبقة السياسية المغربية الى حد الافلاس، فما عادت قادرة على مواكبة الاختيار التنموي الذي اختاره المغرب، وظلت حبيسة عقلية متخلفة يميزها الصراع على المناصب والتنافس حول المواقع في مقابل الاستهتار بادوارها التاطيرية والتكوينية بالمجتمع٠
هي إذا رسالة قوية فاضحة وكاشفة للاحزاب السياسية التي تربي (مناضليها) على صراع المصالح والامتيازات على حساب صراع البرامج وخدمة الوطن، والتي تنمي منطق الربح والخسارة على حساب الامانة والوفاء لاهدافها الحقيقية. فهو في المحصلة تبخيس للفعل السياسوي الشعبوي في إحالة على لغة بعض زعماء الاحزاب الذين ظلوا يتسابقون في توليد معاجم سياسية شعبوية مميزة لهم٠
ولم تسلم الجمعيات الحقوقية من التقريع والنقض في إحالة الى بعضها التي تتلقى الدعم من الخارج للاسترزاق في غياب للمصداقية٠
ومن بين أقوى الرسائل وأكثرها تفاؤلا حسب منطوق نص الخطاب، تثمين وتزكية المقاربة الامنية ومؤسستها في اشكال معالجة الاحداث التي شهدتها منطقة الحسيمة ورفض قاطع وغاضب لكل مس بمجهوداتها وتدخلاتها، باعتبارها حسب الملك هي المنقذ في غياب صارخ ومريب للاحزاب التي تركت الاوضاع عرضة للصراعات السياسوية الضيقة في إحالة على الصديق القديم٠
حاصل القول، المتأمل لفقرات النص الملكي ستبهره قوة الأنا المتكلمة وحضورها المتزايد بين فقرة واخرى، وهو ما يحيل نفسيا على كشف قوة الذات في خضم ضعف الجماعة، جماعة السياسيين والإداريين والحقوقيين والمنتخبين. وكأني بالملك يقول بصوت عال وصارخ في وجه من اعتبرهم وقود أزمات المملكة : أنا هنا الان" بلغة التهديد والتقريع وأسلوب منهجي يسمي الامور بأسمائها دون حرج او تحفظ٠
لقد اشتعل غضب الملك : "ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم، رغم أنهم يؤدون القسم أمام الله والوطن والملك، ولا يقومون بواجبهم؟ ألا يجدر أن تتم محاسبة أو إقالة أي مسؤول، إذا ثبت في حقه تقصير أو إخلال في النهوض بمهامه؟"٠
قد يكون لهذا الخطاب ما بعده، بفعل ما تضمنه وما حمله واحتمله من تأويل، لكن لايمكن ان تخطأ العين والأذن معا فورة وغضبة ملك على مؤسساته المرعية التي تبرأ من ممارساتها المتطفلة٠
هل سيكون للغضب صدى على المغرب؟ أم أنه مجرد حبرعلى ورق أبيض؟؟؟

بحث في الجريدة الإلكترونية

التعليقات لا تعبر عن رأي الجريدة بل تلزم أصحابها فقط